صاحب العمل يمنعهم من صلاة الجماعة في المسجد
السؤال ( 3 )
سؤال:
نحن مجموعة من الأطباء نعمل في مجمع عيادات خاص منذ ستة أشهر ، كنا خلالها ولله الحمد مواظبين على أداء صلاة الجماعة بالمسجد ، حيث إن عملنا وسكن معظمنا بمبنى واحد يقابله مسجد قريب يسهل على المرء صلاة الجماعة فيه ، علماً بأننا نتوضأ بالمجمع وننزل للصلاة قبيل الإقامة ثم نصعد إلى المجمع مسرعين بعد ختم الصلاة لنصلي السنة بالمجمع حرصاً منا على عدم إضاعة وقت العمل .
ولم تحدث ـ ولله الحمد ـ أي مشاكل خلال الأشهر الستة بسبب صلاتنا في المسجد ، ولكن بدأت إدارة المجمع تحاول إرغام العاملين به على أداء الصلوات المفروضة بالمجمع ، مع أنه لا يوجد فيه مكان مخصص للصلاة ، بل نفترش السجاجيد في صالة الدخول في وقت الصلاة فقط ، ثم تقام الصلاة بدون أذان ، مع العلم بأن المسافة بين المسجد ومجمع العيادات أقل من أربعة عشر مترا .
وقد رفضنا الصلاة بالمجمع إلا بناء على فتوى شرعية من عالم على تقوى، وقد اطلعنا على فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في هذا الخصوص ، وهذه الفتوى منشورة بموقعكم برقم : 21345 . وقد أطْلعنا مدير المجمع على هذه الفتوى ولكنه أصر على موقفه متعللا بأن وظائفنا تقتضي وجودنا بالمجمع طوال وقت الدوام استعداداً لاستقبال الحالات الطارئة ، علماً بأنه لا يوفر هذه الوظائف على مدار 24 ساعة يومياً، ولكن يتم استدعاء الأطباء في حالة وجود حالات طارئة خارج أوقات الدوام ، مما قد يؤخر الطبيب عن هذه الحالات من خمس عشر إلى عشرين دقيقة على الأقل ، هذا إذا كان متواجداً في سكنه وقت استدعائه
فهل من حق صاحب العمل ، أو مديره أن يلزمنا بالصلاة في المجمع وترك الصلاة مع الجماعة في المسجد ؟
وإذا توقف استمرارنا بالعمل على الانقياد لأمر الإدارة ، وترك الصلاة في المسجد ، فهل نترك هذا العمل ، مع أن بعضنا في حاجة شديدة إلى المال ؟ أم إننا معذورون في ترك الجماعة في تلك الحال ؟.
الجواب:
الحمد لله
أولا :
ما قمتم به من الصلاة مع جماعة المسجد هو الصواب ، وهو الواجب عليكم وعلى جميع من في المجمع إلا من كان له عذر شرعي من مرض ونحوه . وقد دلت الأدلة الصحيحة على وجوب صلاة الجماعة في المساجد حيث ينادى بها ، وانظر هذه الأدلة في جواب السؤال الذي قبله رقم ( 1 ) ، وليس للقائم على العمل أن يلزم الموظفين بالتخلف عن جماعة المسجد ، لأن ذلك إلزام بترك الواجب الشرعي ، بل ينبغي أن يعينهم ويشجعهم ويرغبهم في الذهاب إلى المسجد ، امتثالا لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفيه من الخير والبركة أضعاف ما قد يتصور من ضعف العمل أو نقص مدته ، وفيه تذكير للمراجعين وغيرهم بأهمية الصلاة ، وأنها لعظم شأنها تستحق أن توقف لأجلها الأعمال ، ويتفرغ لها الموظفون ، وإنها والله كذلك ، وقد هَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت المتخلفين عن جماعة المسجد ، مع احتمال أنهم يصلونها في بيوتهم جماعة أو فرادى ، وألزم الأعمى بالحضور إلى المسجد ، ولم يرخص له أن يصلي في بيته ، فدل هذا على أنها واجبة في المسجد ، وقد جاء التصريح بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلا صَلاةَ لَهُ إِلا مِنْ عُذْرٍ ) رواه ابن ماجه (793) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه .
فتأمل هذا الحديث العظيم وما فيه من الوعيد الشديد لمن تخلف عن الجماعة ، ولم يأت المسجد وهو يسمع النداء ، وأنه لا صلاة له إلا أن يكون معذورا ، فهل يرضى مسلم أن يكون في عداد من لا صلاة لهم ، سواء كان المعنى عدم قبولها بالمرة أو نقصان ثوابها وأجرها ؟! لا يرضى بذلك عاقل حريص على مرضاة ربه جل وعلا .
ونسأل الله تعالى أن يوفق صاحب العمل وإدارته ، وأن يشرح صدورهم لامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يوقنوا بما في امتثاله من الخير والبركة والرزق الحسن ؛ فإن الله تعالى يقول : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/97 ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله ، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته ) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2085) .
ثانيا :
وأما فتاوى أهل العلم في هذه المسألة ، فكثيرة مشهورة ، ونحن نضع بين أيديكم شيئا منها للفائدة :
1- جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (7/298) س : رجل يعمل في شركة ، حول مبنى الشركة من المساجد أكثر من الثلاثة ، يخرج إلى الصلاة في المسجد دائما ، زملاؤه يصلون على باب الشركة ، ويريدونه أن يصلي معهم في الشركة ولا يذهب إلى المسجد، وقد أفتاه بعض إخوانه بالصلاة معهم وإلقاء المواعظ والدروس عليهم بعد الصلاة بحكم أنه أعلمهم بالسنة والصلاة بهم ، مع وجود من هو أقرأ منه وأحفظ ، فهل يسـمع لمفتيه أم يستمر في صلاته في المسجد ، غير عابئ بما قال له ؟
ج : يجب على عمال الشركة أن يصلوا مع جماعة أحد المساجد القريبة من مبنى الشركة ، كما يفعل زميلهم ، فهو المصيب بصلاته في المسجد ، وهم المخطئون في صلاتهم على باب الشركة ، لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب أداء الصلاة مع الجماعة في المسجد ، ولا يجوز التأخر عنها إلا بعذر شرعي " انتهى .
2- وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله : " نحن مجموعة من الموظفين نعمل في دائرة حكومية ، ويوجد مسجد مجاور لنا يفصلنا عنه شارع عرضه ثلاثون مترا فقط ، ونسمع النداء بوضوح جلي ، ونحن نصلي في مصلى عملناه في المكتب . وقد اطلعنا على فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، بأنه لا تجوز الصلاة في إدارة حكومية بجوارها مسجد ، وأنه يجب على الموظفين الصلاة في المسجد . والسؤال : هل تجوز لنا الصلاة في مكتبنا جماعة أم يجب علينا الصلاة في المسجد ؟ وهل يجوز لمدير مكتبنا أن يلزمنا بالصلاة في المكتب مع عدم العذر الشرعي؟
فأجاب " الواجب عليكم وعلى المدير الصلاة في المسجد ولا يجوز منكم التخلف عنها ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر ) وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن العذر فقال : ( خوف أو مرض ) . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأله رجل أعمى فقال : يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال : نعم . قال : فأجب ) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض ) .
فالواجب عليكم جميعا العناية بالصلاة في المسجد مع الجماعة ، وعدم التشبه بأعداء الله المنافقين . وفقكم الله ويسر أمركم ". انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (12/64).
ثالثا :
كثير من الموظفين – للأسف – يخرج إلى الصلاة في المسجد ، ولكن يضيع وقتاً طويلاً من وقت العمل بتأخره بعد الصلاة ، وحديثه مع إخوانه الذين التقى بهم في المسجد ، بل بعضهم يذهب لقضاء بعد الحاجات بعد الصلاة ويتأخر بذلك عن العمل ، وبعضهم لا يذهب إلى الصلاة أصلاً ، وإنما يذهب إلى بيته أو غيره ثم يعود إلى العمل وكأنه كان في الصلاة ، فإذا خشي صاحب العمل حصول ذلك ، فله الحق حينئذٍ من منعهم من الصلاة في المسجد ، ويلزمهم بالصلاة في مكان العمل حفاظاً على مصلحة العمل ، ومنعاً من تفريط بعض الموظفين .
وأيضاً قد يحتاج العمل إلى بقاء بعض الموظفين إما لمتابعة بعض المرضى الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة ، أو بعض الأطباء الذين يستقبلون الحالات الطارئة ، فمثل هؤلاء لا حرج عليهم في ترك صلاة الجماعة في المسجد ، ويصلونها جماعة في مكان العمل إن تيسر لهم ذلك ، لكن لا يفعل ذلك إلا من يحتاج إليه فقط لا جميع الأطباء والموظفين ، وقد سبق في جواب السؤال الذي قبله ( 2 ) أن من كان عمله يتطلب وجوده في المستشفى وقت صلاة الجمعة لاستقبال الحالات الطارئة فلا حرج عليه في ترك صلاة الجمعة ويصليها ظهراً في مكان العمل .
رابعاً :
إذا أصرت الإدارة على موقفها ، وكان استمراركم في الذهاب إلى المسجد يعني توقفكم عن العمل ، فالذي يظهر أن من احتاج إلى هذا العمل ، فإنه يكون معذورا في تخلفه عن جماعة المسجد ، ويسعه أن يصلي جماعة في مقر عمله ، وقد ذكر الفقهاء من الأعذار المبيحة لترك الجماعة : الخوف على معيشة يحتاج إليها ، كما في "كشاف القناع" (1/496) .
نسأل الله لكم التوفيق والسداد .
والله أعلم .