ليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، وبينما الناسُ في مساجدهم يصلّون ويتهجّدون، ينعمون بالسكينة، ويطلبون القبول والمغفرة، خرج مئات من الشباب في سياراتهم في كثيرٍ من المناطق والمحافظات، وأخذوا يمارسون أنواعًا مخجلةً مؤسفةً من المضايقات من تفحيط وتعطيل لحركة السير، وصلت في بعض المدن لساعات طويلة. ومن معاكسات، ورفعٍ لأصوات الغناء، لتزاحم صوتَ القرآن وهو يُتلى في شهرِ القرآن! وممارسة الرقص في الشارع بعد إيقاف السيارات لتَسُدَّ على الناس طريقهم، وقد رأيتُ عجبًا؛ وسمعتُ قصصًا من أناس لم يتمكّنوا من قضاء حوائجهم، أو حتى الوصول لمنازلهم، أو مساجدهم في ليلةٍ من الليالي العشر الأخيرة من رمضان!
هذه الممارسات الغريبة والمزعجة تأتي من هؤلاء الشباب -أصلحهم الله- تعبيرًا عن فرحهم باليوم الوطني لبلدهم الكريم!
وكلُ عاقلٍ يقول: لهم الحقُ بالفرحِ والتعبير عنه؛ ولكن: ما العلاقة بين الفرح باليوم الوطني الذي هو ذكرى للتوحيد والوحدة والألفةِ، وإرساء قواعد العدل والأمان، وبين هذا النوع وهذه الطريقة من التعبير؟!
وأنا أكاد أجزم أنّك لو سألت أحدًا من شبابنا هؤلاء: لماذا اُختِيِر هذا اليوم بالذات ليكون ذكرى لليوم الوطني؟ أو ماذا يعني لك اليوم الوطني؟ فإنّ كثيرًا منهم لا يدري بماذا يُجيب!
إن حبّ الوطن والشعور بالمواطنة الحقيقية وما يترتب عليها من واجبات والتزامات، ليس كلامًا، أو تنظيرًا، أو غناءً، أو تفحيطًا ورقصًا، إنه ولا شك أسمى وأعمق من ذلك كلِّه: إنه شعورٌ بنعمة الله علينا نحن أهل هذا البلد الطاهر، الذي جعلنا من أبنائه، وهو بلدُ الحرمين، ومأوى أفئدة المسلمين، في الوقت الذي تفنى أجيالٌ وأجيال من الأمم حولنا، ويتمنى الواحد منهم لو رأى الكعبةَ، أو صلّى في الحرم لو مرةً واحدة ثم يموت!!
إنه شعور بنعمة الأمن والإيمان، وصحة المعتقد الذي تبنته قيادة هذا البلد ولا تزال -وفقهم الله- إنه عملٌ، وعطاءٌ، وبناءٌ، وإحساسٌ بالمسؤولية.
لذلك لابد من وقفات لتصحيح مفهوم حب الوطن، وترسيخ المفاهيم الراقية والعملية بين طلاب المدارس والجامعات، ولابد كذلك من مناقشة صريحة وهادئة مع شبابنا، تقودهم لتبني الممارسات المتحضرة الواعية.